الطريق إلى الطريق

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، عليه وعلى آله أفضل صلاة وأتم تسليم، أما بعد:

إنَّ من أعمق ما يُشغل قلب المصلح، ويستفرغ فكره: سؤالُ التأثير؛ كيف يَبلُغ بدعوته ما يرجو، وكيف يكون لحياته في الناس أثر، ولعمله في الأرض امتداد، ولسعيه عند الله قَبول.

وهو همٌّ يعتلج في نفوس مَن رزقهم الله همةً عاليةً ورغبةً صادقةً في القيام بأمر الله عز وجل وإبلاغ رسالته؛ فلا تطمئن قلوبهم إلى أعمال قاصرة، ولا تَقَرُّ نفوسهم بأثرٍ ضئيل.

وهذا من أرفع المطالب التي تتشوَّف إليها النفوس الكبيرة، وأشرفِ المراتب التي يتنافس فيها أهلُ الصدق، وقد علَّمنا الله أن نسأله إياها سؤالَ الراغب الموقن، فحكى عن دعاء عباد الرحمن قولهم: ((واجعلنا للمتقين إمامًا))، أي: أئمةً يُقتدى بهم في الهدى والصلاح.

وحين نتحدث عن الإصلاح والتأثير، لا يمكن أن نتجاوز ركنين أصيلين وبابين عظيمين:

أولهما: القرآن الكريم الذي أنزله الله عز وجل هدًى للناس، وقائدًا لهم في أمور دينهم ودنياهم، ومخرجًا لهم من ظلمات الكفر والجهل إلى نور الإسلام والعلم، ومن تيه الضلال والحيرة إلى رحبة الهداية والرشاد.

ومن شواهد عظمته وأثره المبين ما أحدثه في نفوس الرعيل الأول الذين عايشوا التنزيل، وسمعوه غضًّا طريًّا من فم المبلِّغ الأول صلى الله عليه وسلم، حتى أخذ بقلوبهم وأسر ألبابهم، فكان لهم كالماء للحياة والعافية للبدن.

وثانيهما: سَنن الأنبياء المرسلين، وهَدْيُهم ومنهجُهم الذي أمرنا الله بالاقتداء به، وقد قص الله في كتابه أخبارهم، وبيَّن آثارهم، وكيف عالجوا أقوامهم أشدَّ المعالجة، وما لاقوا وعانَوا في سبيل ذلك، وكيف أدَّوا وبلَّغوا وصدَقوا ما عاهدوا الله عليه، حتى سطَّر خبرهم وأعلى ذكرهم، وجعلهم منارةً للاقتداء: ((أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده)).

وفي قصصهم وأخبارهم ما يكون مرشدًا لنا في كل أحوال الدعوة والإصلاح التي يمكن أن يتعرض لها كل مصلح؛ من نبي آذاه قومه وكذَّبوه، ونبي نصره قومه وآزروه، ونبي أراه الله ثمار دعوته وآثار عمله، ونبي قتله قومه ولم يؤمن منهم أحد، ونبي أهلُه به مؤمنين وله مناصرين، ونبي أهلُه به كافرين وله معاندين، ونبي مسَّه الفقر والضر، ونبي وهبه الله الملك والغنى، وغير ذلك من الصور والأحوال التي لا ينفك عن جميعها حال مصلح مع مجتمعه.

فهي أمثلة حية وأحوال متنوعة تنير طريق الإصلاح لكل مصلح، وكيف سار أولئك الأنبياء برسالة ربهم، وكيف بلَّغوا دينه، وكيف هذَّبوا أنفسهم، وكيف عالجوا أقوامهم، وكيف ثبتوا وصبروا على ما أراده الله منهم حتى أدُّوا رسالته ونالوا رضوانه.

وتُبيِّن أن الابتلاءات والأحوال تتنوع في طريق المصلح بين السراء والضراء، والغنى والفقر، والشدة واليسر؛ والثابتُ في هذا كله هو لزومُهم طريقَ ربهم ومنهجَه الذي رسمه لهم، ثابتين صابرين في كل أحوالهم.

ولله الحكمة في تنوع الابتلاءات والأحوال لأنبيائه المصطفَين، فتظهر منهم مقامات محمودة ومتنوعة للعبودية والاستقامة، تكون نبراسًا وهدًى وأنموذجًا لمن بعدهم، حتى يستنُّوا بسنتهم ويهتدوا بهديهم.

والمتأمل في كتاب الله عز وجل وفي سير أنبيائه عليهم السلام يجد مقامَين ظاهرَين كانا حاضرَين في حياتهم، اجتمعت عليهما دلالة القرآن، وتجلَّى أثرهما في هَدْي الأنبياء؛ وذلك عند قوله تعالى عن نبينا إبراهيم عليه السلام: ((واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صدِّيقًا نبيًّا))، وقال عن موسى عليه السلام: ((واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلَصًا وكان رسولًا نبيًّا))، وقال عن إدريس عليه السلام: ((واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صدِّيقًا نبيًّا))، وقال عن إسماعيل عليه السلام: ((واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادقَ الوعد وكان رسولًا نبيًّا)).

وهذان المقامان هما:

المقام الأول — مقام الصدِّيقية:

وهو مقام الإيمان واليقين والعبودية القلبية التامة لله عز وجل، ويتجلى هذا في موقف إبراهيم عليه السلام في امتثاله لأمر الله عز وجل، ويقينِه التام بوعده، عندما أسلم ابنه إسماعيل وتلَّه للجبين امتثالًا لأمر الله عز وجل؛ وفي سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عندما كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، ثم يقول: ((أفلا أكون عبدًا شكورًا))؛ وفي خبر داوود عليه السلام، حيث كان صيامُه أفضلَ الصيام، وقيامُه أفضلَ القيام، وأحبَّه إلى الله عز وجل.

وهذا المقام العظيم يتمثل في اليقين التام بوعد الله، والتصديق باليوم الآخر، وينعكس واقعًا في كمال العبودية لله عز وجل، بامتثال فرائض العبادات والتقرب بنوافلها.

المقام الثاني — مقام الرسالة والبلاغ:

وكيف كان حال الأنبياء عليهم السلام في أخذ الكتاب بقوة، والصبر والمصابرة في دعوة أقوامهم بشتى الوسائل والطرق، ليلًا ونهارًا، سرًّا وجهارًا، مع عزيمة راسخة وثقة تامة بوعد الله وحفظه؛ ولو اجتمع أهل الأرض في سبيل صدِّه عن دعوته لما وقف ولا تراجع.

نطق بهذا نوحٌ عليه السلام عندما قال لقومه: ((إن كان كَبُرَ عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غُمَّة ثم اقضوا إليَّ ولا تنظرون))؛ وهودٌ عليه السلام عندما قال: ((إني أُشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعًا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم))؛ ونبينا محمدٌ صلى الله عليه وسلم عندما قال: ((واللهِ لو وضعوا الشمسَ في يميني والقمرَ في شمالي على أن أتركَ هذا الأمرَ حتى يُظهرَه الله أو أهلِكَ فيه ما تركتُه)).

وهنا أهمس في أذن كل مصلح يرجو أن يكون مؤثرًا من أئمة الهدى الذين يُقتدى بهم: كيف أنت في هذين المقامين؟ كيف هي صدِّيقيتُك بإيمانك وعبادتك وخشوعك وتبتُّلك؟ وكيف هي رساليَّتُك بثباتك وحرصك على دعوة الناس وهدايتهم، والصبر والمصابرة في سبيل ذلك؟

لا تُبعِد النَّجعة، ولا تغرق في التخطيط، ولا تتخيل صورةً تريد أن تكون عليها؛ وإنما راوِح بين هذين المقامين، واسلُك طريقهما، واستزِد ولا تقف، حتى تنال ما ترجو، أو يقبضك الله وأنت في طريقك إليه.

وإن من المخيف أن تكون هذه المقامات مجردَ مرحلةٍ من مراحل المصلح، يكون مجتهدًا فيها في بداية طريقه — في الصلاة والقرآن وقيام الليل، والحرص على الدعوة وهداية الناس — ثم تتلاشى وتذبل، ويتراجع وهو يظن أنه يتقدم في أعباء وأعمال قد يشوبها من حظ الدنيا ما يشوبها.

لقد أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم في أول الدعوة بقيام الليل: ((يا أيها المزمل، قم الليل إلا قليلًا))، والتزم الأمر حتى في سنيِّه الأخيرة يقوم الليل حتى تتفطر قدماه.

وكانت الرسالة والنذارة في بداية دعوته على جبل الصفا: ((إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد))، وفي سكرات موته: ((الصلاةَ الصلاةَ، وما ملكت أيمانُكم)).

فلم يكن قيام الليل مرحلةً من المراحل تنتهي بانتهاء زمن الاستضعاف، ولم تكن الدعوة وهداية الناس مرحلةً من المراحل تنتهي بحصول الأمن والتمكين! بل هما مقامان لازمان، يصحبان المصلح من أول طريقه إلى آخر نَفَسٍ فيه.

وحين يستقيم المصلح في هذين المقامين على دوامٍ — صدِّيقيةً في خاصته وعبادته، ورساليّة في عامته ودعوته — فإن الإمامة في الدين تكون ثمرةَ التزامه بهما، وحاصلَ مجاهدته فيهما، تجري على المصلح بفضل الله من حيث لا يحتسب، فيُتبَع أثرُه، ويُقتدى بهَدْيه.

ولذلك كانت في القرآن دعاءً لا سعيًا، وسؤالًا للرب لا اشتراطًا للنفس؛ كما قال عباد الرحمن: ((واجعلنا للمتقين إمامًا)) قال السعدي رحمه الله:”أي: أوصِلنا يا ربنا إلى هذه الدرجة العالية، درجةِ الصدِّيقين والكُمَّل من عباد الله الصالحين، وهي درجة الإمامة في الدين، وأن يكونوا قدوةً للمتقين في أقوالهم وأفعالهم، يُقتدى بأفعالهم، ويُطمأنُّ لأقوالهم، ويسير أهل الخير خلفهم فيهدون ويهتدون. ومن المعلوم أن الدعاء ببلوغ شيءٍ دعاءٌ بما لا يتم إلا به؛ وهذه الدرجة — درجة الإمامة في الدين — لا تتم إلا بالصبر واليقين، كما قال تعالى: {وجعلنا منهم أئمةً يهدون بأمرنا لمَّا صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون}. فهذا الدعاء يستلزم من الأعمال والصبر على طاعة الله وعن معصيته وأقداره المؤلمة، ومن العلم التام الذي يوصل صاحبه إلى درجة اليقين، خيرًا كثيرًا وعطاءً جزيلًا، وأن يكونوا في أعلى ما يمكن من درجات الخلق بعد الرسل”.

وحينما نتأمل في شروط الإمامة في الدين كما ذكرها الله في هذه الآية، نجدها كما يلي:

(١) قوله ((يهدون بأمرنا)): وهنا مقام الدعوة وهداية الناس، وأنه في ذلك بأمر الله الكوني — فكل شيء بأمره وفضله سبحانه وتعالى — وبأمر الله الشرعي: وفيه حثٌّ على طلب العلم الشرعي، ومعرفة مراد الله عز وجل في كتابه، حتى يدعو إلى الله على بصيرة.

(٢) قوله ((لمَّا صبروا)): وهنا فضيلة الصبر، وأنه شرطٌ للكمال وبلوغ المراتب العالية. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ((بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين)). والصبر هنا في الاستمرار في الدعوة مع اختلاف الأزمان وتقلب الأحوال، والصبر في الثبات على الأمر والعزيمة عليه، والصبر على الأذى الذي لا ينفك عن طريق المصلح الصادق؛ بل إن طريق المصلح إذا خلا من الأذى فإنه مدعاةٌ لأن يراجع نفسه ويتأمل حاله.

(٣) قوله ((وكانوا بآياتنا يوقنون)): وهنا مقام الإيمان، ودرجة التصديق التام بأمر الله وشرعه ووعده، إيمانًا تامًّا ويقينًا صادقًا، كأنه يعاين ما غاب عنه من خبر الله ورسوله، ويتيقن وقوعه كإيقانه بوجود نفسه، وهذا مقام عظيم، ورحلة شاقة يطلبها الإنسان طيلة حياته، ولعل الله أن يوفقه للقرب من الكمال.

ومن أعظم الأمثلة على مقام اليقين: صدّيق هذه الأمة أبو بكر -رضي الله عنه-، فيقول عنه عمر -رضي الله عنه-: “لو وُزن إيمان أبي بكر بإيمان الناس لرجح إيمان أبي بكر”. وهو -رضي الله عنه- أعظم مثال في أمة محمد بعد رسولها صلى الله عليه وسلم في كمال التصديق والإيمان؛ فمع سبق إيمانه نال الكمال والصدِّيقية، وكان يقول: “إني لأصدِّقه فيما هو أبعدُ من ذلك، أصدِّقه بخبر السماء في غدوةٍ أو روحة”، وذلك ردًّا على قريش حين تعجَّبوا من تصديقه للنبي ﷺ في رحلة الإسراء والمعراج، بل إن خروجه مع النبي صلى الله عليه وسلم في رحلة الهجرة لأعظمُ مثالٍ على كمال تصديقه؛ حين يخرج متخفيًا، مخاطرًا بحياته، مع رجل يؤمن بنبوته وبحفظ الله له ولو اجتمع عليه قريشٌ بأسرها! وهو لم يصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ثلاث سنين، مليئةً بالخوف والمطاردة والأذى، ومع هذا بلغ تصديقه ما بلغ — رضي الله عنه وأرضاه.

وبهذا يتبيَّن أن مطلب الإمامة في الدين إنما هو مطلبُ الكُمَّل من عباد الله، وهو مطلبٌ لغيره لا لذاته؛ فيطلبه المرء لا لحظ العلو والظهور، بل ليكون قدوةً في ذاته وقدوةً لغيره، فيعظم أجره، ويكون دليلًا إلى ربه عز وجل، تشبُّهًا بالأنبياء عليهم السلام الذين ورَّثوا العلم والدعوة، ولم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا.

ومن المزالق الخطيرة أن يطلب الإنسان الإمامة وهو لا يقصد القدوة والهداية، بل يقصد العلو والرياسة، فإن الأنبياء عليهم السلام لم يطلبوا شيئًا من ذلك، وتكرر في القرآن مع عدد من الأنبياء عليهم السلام — إن لم يكن جميعهم — ((لا أسألكم عليه أجرًا))، ((لا أسألكم عليه مالًا)).

ولما ذكر الله عز وجل جملةً من الأنبياء عليهم السلام في سورة الأنعام، قال بعد ذلك: ((أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجرًا إن هو إلا ذكرى للعالمين))؛ و(أجرًا) هنا نكرةٌ في سياق النفي فتفيد العموم، أيُّ أجرٍ عظُم أو أقل. والأجر ليس المال فقط.

فالأعظم إثمًا من ذلك أن يطلب المصلح المكانةَ والسمعة والتقدير، وتكون باعثًا ومحركًا له في عمله، يتقدم إن حضرت، ويضعف ويتراجع إن غابت. وقد لا يعلم ذلك من نفسه، بل يزوِّر في ذلك البراهين والأسباب، ويُلبسها لبوس التقوى والمصلحة.

والأعجب من ذلك أن تكون علامةً على صحة الطريق، فيتخذها الناس دلالةً على حسن المسلك والعمل، وأن هذه المكانة والرياسة هي جائزة المصلح والداعية وثوابُه المعجَّل، التي يأنس ويطمئن بوجودها، ويقلق ويضجر عند عدمها.

والقرآن والتاريخ يزخران بالأمثلة على الأنبياء والمصلحين الذين علا ذكرهم وعمَّ نفعهم بعد موتهم. وهذا أمر ربَّاني عظيم، ومنحةٌ إلهية محضة، لا تخضع لمقاييس البشر ولا حسابات الأرض؛ فهذا يموت سجينًا مظلومًا، فيُعلي الله ذكرَه وينشر ثناءَه في العالمين، وآخرُ يموت معزَّزًا مكرَّمًا، ثم يموت ذكره بموته.

ومطلب لسان الصدق مطلبٌ قرآني رفيع، كما قال الله عن إبراهيم عليه السلام: ((واجعل لي لسان صدق في الآخرين))، وقال عن جملة من الأنبياء: ((ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدقٍ عليًّا)). قال السعدي رحمه الله: “لأن الله وعد كل محسن أن ينشر له ثناءً صادقًا بحسب إحسانه، وهؤلاء من أئمة المحسنين، فنشر الله الثناء الحسن الصادق غير الكاذب، العالي غير الخفي، فذِكْرُهم ملأ الخافقين، والثناءُ عليهم ومحبتُهم امتلأت بها القلوب، وفاضت بها الألسنة، فصاروا قدوةً للمقتدين، وأئمةً للمهتدين، ولا تزال أذكارهم في سائر العصور متجددة؛ وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم”.

فالخيط رفيعٌ جدًّا بين الإمامة في الدين ولسان الصدق — التي هي من أعلى مطالب الأنبياء والكُمَّل من عباد الله — وبين مطلب العلو في الأرض وإرادة زينتها، التي هي مزلق الخاسرين الذين قد يشتبهون في ظاهرهم مع المصلحين!

وهكذا يكون المصلح دائمًا في تأمله لكتاب الله وسير الأنبياء والمصلحين: ينظر فيما وهبهم الله من الرحمة ولسان الصدق، فيدرك عظيم عاقبة الاصطفاء والتمكين، فتسمو نفسُه، وتعظم همتُه، ويستشعر المنَّة. ويتأمل فيما حذَّرهم الله منه من التراجع وإرادة العلو المذموم والسمعة الدنيوية، فيخشى سوء العاقبة، ويحاسب نفسه أشدَّ المحاسبة؛ فإن المغنم عظيم لمن وفَّقه الله، والمغرم كبيرٌ لمن خذله الله!

إن أعظم ما ينير للمصلح طريقَه ويرشده في دعوته، أن يكون منطلقُه من القرآن الكريم والسنة النبوية وسير الأنبياء والمصلحين؛ فالطريق واحد، والمنهج واحد، وإن اختلفت الأحوال وتباعدت الأزمان. فقد جعل الله كتابه منارةً ومنهجًا، وجعل رسله قدواتٍ وهداةً للمؤمنين.

فمَن لم يقُده الوحي قادته الأهواء، ومَن لم تَحكمه الغايات الكبرى حكمَتْه جزئيات الواقع ومتغيراته، ومَن غاب عنه نور القرآن وهَدْيُ النبيين في رسم طريقه، التبست عليه السبل، وإن ظنَّ أنه على ثبات من أمره.

وإن من استبدال الأدنى بالذي هو خير أن يغرق المصلح في التخطيط وبذل الأسباب الدنيوية للتأثير، بعيدًا عن المنهج الرباني، والغاياتِ الكبرى التي يجب أن تقوده أولًا؛ ولتأتِ بعد ذلك الطرق والأدوات محكومة بنور الوحي وهدي النبيين.

اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد، واجعلنا مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.


اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *